الشنقيطي

347

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الأغنياء وردها إلى الفقراء . واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره - أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان . ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال : « وأجمع أهل السير والعلم : أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة ، فأقرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الإسلام . وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجر الأمر على ذلك ؛ حتى جعل عمر الديوان . واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به . وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان ، وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يدا ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو . انتهى كلام القرطبي رحمه اللّه تعالى . قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ 15 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة : أن اللّه جل وعلا لا يعذب أحدا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؛ حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار . وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] فصرح في هذه الآية الكريمة : بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل ، مبشرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين من عصاهم النار . وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين . بينها في آخر سورة طه بقوله وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 ) [ طه : 134 ] . وأشار لها في سورة القصص بقوله : وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) [ القصص : 47 ] ، وقوله جل وعلا : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) [ الأنعام : 131 ] ، وقوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [ المائدة : 19 ] الآية ، وكقوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ [ الأنعام : 155 - 157 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن اللّه جل وعلا لا يعذب أحدا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام - تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة : « بأن لم يدخل أحدا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على